الحلبي

36

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ويربحوا إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا ، وأظفركم اللّه عليهم ، وردكم اللّه تعالى سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح ، أنسيتم يوم أحد إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ [ آل عمران : الآية 153 ] وأنا أدعوكم في أخراكم ونسيتم يوم الأحزاب إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) [ الأحزاب : الآية 10 ] فقال المسلمون : صدق اللّه ورسوله ، فهو أعظم الفتوح ، واللّه يا نبي اللّه ما فكرنا فيما فكرت فيه ، ولأنت أعلم باللّه وبأمره منا ، وقال له بعض الصحابة : أي وهو عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : يا رسول اللّه ألم تقل إنك تدخل مكة آمنا ؟ قال : بلى ، أفقلت لكم من عامي هذا ؟ قالوا لا ، قال : فهو كما قال جبريل عليه السلام ، فإنكم تأتونه وتطوفون به . أقول : فيه أنه تقدم أن ذلك كان عن رؤيا لا عن وحي ، إلا أن يقال : يجوز أن يكون جاءه صلى اللّه عليه وسلم الوحي بمثل ما رأى ثم أخبرهم بذلك واللّه أعلم . وفي لفظ : لما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين وأخبرهم بذلك ؛ فلما صدوا قالوا له : أين رؤياك يا رسول اللّه ؟ فأنزل اللّه تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ [ الفتح : الآية 27 ] الآية . أقول : ولا يخالف هذا ما تقدّم أن الرؤيا المذكورة كانت بالمدينة ، وأنها السبب الحامل على الإحرام بالعمرة ، لجواز تكرر الرؤيا ، وأن الأولى اقترن بها الوحي . وذكر بعضهم أنه صلى اللّه عليه وسلم لما دخل مكة عام القضية وحلق رأسه ، قال : هذا الذي وعدتكم ، فلما كان يوم الفتح وأخذ المفتاح قال : ادعو لي عمر بن الخطاب فقال : هذا الذي قلت لكم . ولما كان في حجة الوداع ووقف صلى اللّه عليه وسلم بعرفة فقال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : هذا الذي قلت لكم ، وفيه أنه لم يتقدم في الرؤيا أنه صلى اللّه عليه وسلم يأخذ المفتاح ، ولا أن يقف بعرفة . إلا أن يقال : يجوز أن يكون صلى اللّه عليه وسلم أخبر بذلك بعد الرؤيا ، وأن المراد من ذلك مجرد دخول مكة ؛ واللّه أعلم . وأصابهم مطر في الحديبية لم يبلّ أسفل نعالهم ، أي ليلا ، فنادى منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن صلوا في رحالكم . أي ووقع مثل ذلك في حنين أنه أصابهم مثله ، فأمر صلى اللّه عليه وسلم مناديه ، أن ينادي : ألا صلوا في رحالكم . وقال صلى اللّه عليه وسلم صبيحة ليلة الحديبية لما صلى بهم « أتدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : اللّه